كلمةٌ قد تودي بحياة إنسان

قياسي


كلمةٌ قد تودي بحياة إنسان

سمعتُ قصةً عن رجلٍ أقام مناسبة زواج لابنه، وأعدّ مأدبة عشاء للضيوف، إلا أن عدد الحاضرين كان أكبر مما توقع. وحضر بعض الضيوف متأخرين بعد نفاد الطعام، فغضب بعضهم ووجّهوا نقدًا لاذعًا، وتلفظوا بكلمات قاسية وصلت إلى صاحب المناسبة، فتأثر بها تأثرًا شديدًا. ثم أصابه المرض وبقي على الفراش فترة ثم انتقل إلى رحمة الله.

إن الكلمة قد تترك في النفس أثرًا عميقًا، وقد تأتي في وقت يكون فيه الإنسان مثقلًا بما لا نراه ولا نعلمه. فالناس ليسوا سواءً في تحمّل النقد أو الكلمات القاسية؛ فمنهم من يتجاوزها سريعًا، ومنهم من تؤلمه وتبقى في نفسه زمنًا طويلًا. ولذلك لا ينبغي أن نقيس مشاعر الآخرين بمقدار قدرتنا نحن على التحمّل.

إن من حق الإنسان أن يبدي ملاحظته بأدب واحترام، مع مراعاة ظروف الآخرين، لكن ليس من حقه أن يجرح أو يسخر أو يفسد فرحة الناس. فالكلمة الطيبة لا تُنقص صاحبها شيئًا، والرفق في العتاب يفتح القلوب، أما القسوة فقد تبقى جراحها زمنًا طويلًا.

وقد قيل: طَعْنُ اللِّسانِ كَوَخْزِ السِّنانِ؛ بل قد يكون أشد، لأن جرح الجسد قد يبرأ، أما جرح الكلمة فقد يبقى أثره في القلب.

ومن الإنصاف أيضًا أن ندرك أن صاحب المناسبة ليس ملزمًا بإطعام أهل المنطقة جميعًا، بل أعدّ ما استطاع بحسب قدرته وتقديره. وقد يزيد عدد الحاضرين على المتوقع، أو ينفد الطعام قبل وصول بعض المتأخرين، وهذا أمر طبيعي وارد في المناسبات، خصوصًا عندما يكون عدد الحضور كبيرًا.

فمن تأخر عن الحضور، فالأولى أن يلتمس العذر لصاحب المناسبة، وأن يلوم تأخره لا أن يلوم من دعا وبذل وأكرم. وبدلًا من العتاب الجارح، فليدعُ لهم بالخير والبركة والتوفيق والسعادة، بدل أن يعكّر فرحتهم بسبب وجبة عشاء.

إن كرم الضيافة يُشكر عليه، ولا يصح أن يتحول نقص غير مقصود إلى لوم وإساءة، ولا أن تُقابل النية الطيبة بكلمات تجرح صاحبها. فلنراعِ مشاعر الناس، ولندارِهم بالرفق، ولنجعل ألسنتنا سببًا لجبر الخواطر لا لكسرها.
قال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وكما يقال: رُبَّ كلمةٍ قالت لصاحبها: دعني.

عبدالله الحجي
٢٠٢٦/١٠/١٠