المجاملة… مهارة اجتماعية لا نفاق
نسمع أحيانًا من يقول بكل فخر واعتزاز: “أنا صريح ولا أجامل أحدًا، واللي في قلبي على لساني” ، وكأن الصراحة تبرر أن نقول كل شيء بالطريقة التي نراها.
نعيش بين الناس، ونختلف معهم في الطباع والأفكار والأذواق، ولا يمكن أن تستقيم علاقاتنا إذا أصرّ كل واحد منا على أن يقول كل ما يفكر فيه، في كل وقت، وبالطريقة التي يريدها متجاهلا مشاعر الآخرين.
من هنا تأتي المجاملة بوصفها مهارة اجتماعية نحتاج إليها في حياتنا وتعاملنا مع الآخرين، وليست كما يظن البعض كلمة مرادفة للكذب أو النفاق.
فحين أجامل شخصًا، لا يعني ذلك أن أصفه بما ليس فيه، أو أن أمدح ما لا يعجبني، أو أن أوافقه على أمر أراه خطأ. المجاملة الحقيقية هي أن أحسن اختيار كلماتي، وأن أبحث عن الجانب الجميل فأبرزه، وأن أراعي مشاعر الآخرين دون أن أتخلى عن الحقيقة والقيم والمبادئ.
لا شك أن الصراحة قيمة جميلة ولكنها لا تعني الغلظة والقسوة وجرح المشاعر وتنفير من حولنا. نستطيع أن نكون صريحين ومهذبين في الوقت نفسه ونعبر عن رأينا ووجهة نظرنا بأدب واحترام دون أن نجرح الآخرين أو نسقطهم ونقلل من شأنهم.
وللمجاملة فوائد كثيرة منها:
كسب القلوب
توطد العلاقات
جبر الخواطر
نشر الحب والمودة
المداراة والرفق
المجاملة ليست في مجرد الكلام بل قد تكون في حسن الاستماع لشخص يريد أن يحدثنا، وفي عدم مقاطعته، وفي تصرف بسيط يشعره بالتقدير. وقد تكون أحيانًا في الصمت عن أمر لا يستحق التعليق عليه، أو في التغافل عن هفوة صغيرة حفاظًا على الود بين الأحبة.
ولعل التغافل هو من أرقى صور المجاملة، فأنت ترى وتسمع وتفهم، ولكنك تدرك أن ليس كل ما يُرى يستحق فعلا التعليق عليه والوقوف عنده، وليس كل خطأ يستحق المواجهة. وكثير من العلاقات الجميلة تستمر لأن أصحابها يملكون ذكاء اجتماعيًا يعرفون متى يتحدثون، ومتى ينصتون، ومتى يتغافلون.
لكن وإن كانت المجاملة مهارة اجتماعية إلا أنه لاينبغي التجاوز عن بعض حدودها مهما كانت الفوائد. فلا ينبغي أن تتحول المجاملة إلى كذب أو نفاق أو غش أو محاباة، وألا تكون على حساب الحقيقة والقيم والمبادئ.
فعندما نمدح شخصٍا بما ليس فيه، أو نؤيد تصرفًا نعلم أنه خاطئ، أو نخفي حقيقة يحتاج إلى معرفتها، أو نحابي شخصًا لمكانته أو منصبه أو لمصلحة نرجوها منه، فإن المجاملة هنا تفقد معناها النبيل، وقد تتحول إلى سلوك مذموم له سلبيات وانعكاسات كبيرة على المجتمع.
وتزداد خطورة المجاملة عندما يستشيرنا شخص في أمر مهم، ونحن نرى فيه ضررًا أو خطأ، فنوافقه من أجل أن نرى الابتسامة على وجهه وحتى لانؤذي مشاعره أو نخسر العلاقة معه. في مثل هذه المواقف تكون المصارحة بأسلوب واحترام أصدق وأرحم من المجاملة التي قد تأخذنا إلى نفق مظلم يصعب الرجوع منه.
لذلك ينبغي أن نفرق بين المجاملة المحمودة التي تلطف الأسلوب وتحفظ الود والمشاعر وتجنب كسر الخواطر، والمجاملة المذمومة التي يصل فيها الإنسان إلى الكذب أو الغش أو المحاباة أو التنازل عن قيمه ومبادئه.
نعم نحن بحاجة إلى المجاملة في حياتنا؛ في بيوتنا، وبين أصدقائنا، وفي أعمالنا وعلاقاتنا الاجتماعية. فالحياة لا تحتاج دائمًا إلى مزيد من النقد والمواجهات، بقدر ما تحتاج أحيانًا إلى كلمة طيبة، وابتسامة صادقة، وحسن استماع، وقليل من التغافل والتجاوز.
فلا تجعل الصراحة مبررًا لجرح الآخرين، ولا تجعل المجاملة مبررًا للتنازل عن الحقيقة.
جامل في أسلوبك… ولا تجامل في الحقيقة.
عبدالله الحجي
2026/9/19